في يوليو 2026، أعلنت شركة أبل إطلاق برنامج يتيح للمستهلك استئجار أجهزة الآيفون والآيباد والماك وساعة أبل مقابل دفعات شهرية؛ وعند انتهاء المدة، يستطيع المستخدم إعادة الجهاز، أو استبداله بآخر أحدث في إطار عقد جديد، أو دفع مقابل خيار الشراء ليتملكه.
قد يبدو الإعلان وسيلة تجارية جديدة لتسويق مزيد من الأجهزة، لكنه يكشف عن تَحول أعمق في فلسفة الأعمال؛ من بيع الشيء إلى بيع زمن استعماله.
وفي نموذج البيع التقليدي، يُطرح المنتج في السوق، ويُقبض ثمنه، وتنتقل ملكيته إلى المشتري، ثم تنتهي العلاقة الأصلية بين الطرفين، عدا ما يبقى من ضمان وخدمات ما بعد البيع.
أما في نموذج التأجير والاشتراك، فلا تنتهي العلاقة عند تسليم المنتج؛ بل تبدأ منه.
ويتجه المستهلك على نحو متزايد إلى الدفع مقابل تجربة استعمال الأشياء، لا مقابل الأشياء ذاتها.
ولا يقتصر الأمر على الأجهزة التقنية؛ فالبرامج انتقلت من البيع إلى التراخيص الدورية، والمركبات تتجه إلى الاشتراك والتأجير المرن، والكتب والموسيقى والأفلام أصبحت وصولًا مؤقتًا عبر المنصات، والمعدات الصناعية تقدم مع الصيانة والتحديث ضمن عقود طويلة الأجل، والعقار نفسه يتجه إلى التجزؤ؛ من أصل يملكه شخص واحد إلى حصص مشاعة، أو أسهم في كيانات مالكة، أو وحدات في صناديق استثمارية، أو رموز رقمية تمثل حقوقًا فيه أو في عوائده؛ فتتجزأ قيمته ومنافعه إلى أجزاء صغيرة قابلة للتملك والتداول دون انتقال ملكية الأصل كاملة.
إننا لا نشهد مجرد ظهور وسيلة جديدة للدفع، بل تحولًا في جوهر الاقتصاد: من صفقة تنتهي بانتقال الملكية إلى علاقة تستمر ببقاء الاشتراك، ومن بيع الأصل مرة واحدة إلى بيع منفعته مرارًا، ومن تكوين الثروة بتراكم الممتلكات إلى استهلاك الدخل للمحافظة على حق الوصول إليها.
ولا يقف هذا التحول عند دفاتر الشركات، بل يمتد إلى مركز الإنسان من الأشياء. كان المالك يستمد سلطته من الشيء نفسه، أما المشترك فيستمدها من عقد يملك غيره شروطه ومفتاح الوصول عبره؛ فإن انقضى العقد بقي الشيء وزال حقه فيه. وهكذا انتقل الخطر من ضياع الأشياء إلى انقطاع الطريق إليها.
وتبلغ المفارقة تمامها في العالم الرقمي؛ فالمستخدم يضغط زر (الشراء)، ثم يكتشف أنه لم يشتر كتابًا، وإنما أذنت له منصة بقراءته، ولم يقتن برنامجًا، وإنما مُنح ترخيصًا باستعماله. فالكتاب الورقي يشيخ في مكتبة صاحبه، ويباع ويعار ويورث؛ أما الكتاب الرقمي فقد يبقى جديدًا إلى الأبد، ثم يختفي في لحظة، إنه يشتري في اللغة، ويُرخَّص له في القانون.
وليست المنصة مالكة لكل ما تعرضه، لكنها تملك بابه؛ ومن ملك الباب استطاع أن يفتح ويغلق، وأن يأذن ويمنع. وفي زمن الأشياء المتصلة، قد يكون من يملك مفتاح التشغيل أقدر على الشيء ممن يحمله في يده.
ومع ذلك، لا تموت الملكية؛ فالشيء الذي لا يملكه المستخدم يملكه غيره. وإنما تتفكك سلطاتها بين مالك للرقبة، وممول، ومنتفع، ومشغل، ومدير منصة، ومستثمر لا يملك من الأصل إلا حصة في عائده. وما يبدو تفتيتًا للملكية قد ينتهي إلى تركيزها: تتوزع المنافع بين الجمهور، وتبقى الرقبة والسيطرة عند القليل.
ولهذا لم يعد كافيًا أن نسأل: من يحمل الصك؟ بل من يقرر الاستعمال، ويدير الأصل، ويستحق عائده، ويتحمل مخاطره، ويملك منع الآخرين من الانتفاع به؟ فالتحدي القانوني ألا تباع الحقوق المحدودة في غلاف الملكية؛ فمن يشتري حصة أو رمزًا أو وحدة استثمارية يجب أن يعرف هل يملك جزءًا من الأصل، أم ورقة مالية، أم منفعة مؤقتة، أم مجرد مطالبة في عائده.
أخطر ما في النماذج الحديثة ليس تعقيدها، بل أن يُباع الحق الهش في غلاف الملكية.
وبالعودة للتاريخ الذي كثيراً ما يقدم لنا أصل الحاضر وإن اختلفت أدواته، فإن تبدل علاقة الإنسان بالملكية ليس مستحدثاً كما قد يبدو؛ فمع أفول الإقطاع الأوروبي وما صاحبه من تسييج للمشاعات وتركز للأرض في أيدٍ أقل، فقدت جماعات من الفلاحين ما كان يتيح لها الانتفاع المباشر بالأرض والاستقلال بمعاشها، لتدفعها التحولات اللاحقة إلى سوق العمل المأجور، وبذلك لم تختفِ الأرض ولم تنقرض الملكية، وإنما تغير صاحب اليد العليا عليها، وانتقل الفرد من الانتفاع بأصل تقوم عليه معيشته إلى بيع عمله لمن يملك ذلك الأصل.
وبإسقاط لا يقصد منه مطابقة الزمنين بقدر ما يستدعي المفارقة بينهما، قد يكون اقتصاد الاشتراك المعاصر بصدد صناعة تحول يشابه سابقه في النتيجة وإن خالفه في الوسيلة؛ فلا تسييج للأرض هذه المرة ولا إقطاعي ينتزعها، وإنما تتوارى الملكية من حياة الفرد طواعية وبعقود يرتضيها هو نفسه، فيستأجر المنزل والسيارة، ويُرخّص له البرنامج والكتاب، ويدفع للموسيقى والصورة ومساحة يحفظ فيها ذاكرته، حتى يصبح ما يقوم عليه يومه مملوكاً في معظمه لغيره، وما يملكه هو لا يتجاوز حقاً مؤقتاً في الوصول إليه.
والأغرب أن الأصل في كل ذلك لم يختفِ، فالمنزل لا يزال مملوكاً والسيارة كذلك، والمنصة وخوادمها وما عليها من محتوى لها مالك معلوم؛ وعليه فإننا لا ننتقل من الملكية إلى اللاملكية كما قد يوحي ظاهر الأمر، وإنما يعاد تموضعها، فتتركز الأصول في جهة ويُوزع الانتفاع بها على جمهور يدفع لقاء بقائه قريباً منها، لتصبح المسألة أقرب إلى انتقال الملكية من يد المستعمل لا زوالها من الاقتصاد.
ومن هنا تتبدل الدورة التي اعتاد الفرد أن يرى فيها عمله وسيلة للتملك؛ فبعد أن كانت أعمل فأدخر فأملك، قد تصبح أعمل فأدفع فأنتفع، ثم أعاود العمل كي لا ينقطع، وهي مفارقة تجعل الفرد يعمل لدى مؤسسات تملك الأصول، ثم يعيد جزءاً من عائد عمله إلى مؤسسات قد تكون هي ذاتها أو تشابهها كي تسمح له باستعمال ما تملك، وكأن الاستقلال الذي منحته الملكية للفرد في طور سابق يعود ليتقلص ولكن بصورة أكثر تهذيباً؛ فلا أحد يجرده من شيء، لأنه ببساطة لم يعد مضطراً إلى امتلاكه ابتداءً.
وإذا كان الفلاح في تحول تاريخي سابق قد ابتعد عن الأرض حتى أصبح يعمل لمن يملكها، فقد يكون إنسان اقتصاد الوصول أمام صورة أخرى من ذات الإشكال؛ يعمل ليعيش، ولكنه يحتاج إلى استمرار عمله لا ليضيف أصلاً جديداً إلى ملكيته، وإنما ليحافظ على حقه في استعمال أصول الغير.
وبذلك قد لا يكون السؤال عما إذا كانت الملكية ستموت، فهي لم تمت سابقاً ولا يبدو أنها ستموت الآن، وإنما من الذي ستبقى له الملكية حين يصبح الجميع قادرين على استعمال الأشياء، والقليل فقط قادراً على امتلاكها؟
ولعلها مفارقة التاريخ في أبسط صورها؛ أن يتحرر الإنسان من سيد الأرض، ثم يمضي قروناً كاملة في تطوير مفهوم الملكية والاستقلال الفردي، ليصل في نهاية المطاف إلى عالم لا يمنعه فيه أحد من شيء، لكنه يحتاج إلى إذن متجدد للوصول إلى كل شيء.
وقد يكون هذا التحول أكثر كفاءة وأقل هدرًا، وقد يفتح الوصول إلى منتجات وخدمات لم تكن في متناول الجميع. لكنه قد ينتهي، إذا غاب التوازن التشريعي، إلى مجتمع واسع الوصول محدود الملكية؛ يستخدم أفراده كل شيء، ولا يملكون إلا القليل.
ففي الاقتصاد التشاركي يقول الفرد: أملك شيئًا وأسمح لغيري باستعماله. أما في اقتصاد الاشتراك المؤسسي فتقول الشركة: أملك الأصل، وأسمح للجميع باستعماله ما داموا يدفعون.
ومن ثم، فإن عالم ما بعد الملكية لن يكون عالمًا بلا مالكين؛ بل قد يكون عالمًا يملك فيه القليل الأصول والمنصات، ويستأجر الباقون حق الوصول إليها.
لقد كان البيع يقطع صلة البائع بالشيء، فجاء الاشتراك ليقطع صلة المشتري بالملكية؛ وكان الثمن يُدفع لينتهي، فأصبح المقابل يُدفع لكيلا ينتهي الانتفاع؛ وكان الإنسان يجمع الأشياء ليبني ثروته، فأوشك أن يستهلك ثروته كي يظل قادرًا على استعمالها.
وحين تصبح السيارة اشتراكًا، والمنزل مدة إشغال، والبرنامج ترخيصًا، والكتاب إذنًا بالقراءة، والذاكرة مساحة سحابية، لا يعود السؤال الأهم: كم تبلغ تكلفة الاستخدام؟
بل يصبح السؤال من يملك الأشياء التي تقوم عليها حياتنا؟ ومن يستطيع منعنا من الوصول إليها؟ وماذا يبقى لنا عندما يتوقف الدفع؟
عندئذ ندرك أننا قد لا نستأجر المنزل والسيارة والهاتف والبرنامج فحسب؛ بل نستأجر، في نهاية المطاف، البنية التي نعيش من خلالها حياتنا كلها.
كان الإنسان يملك الشيء فيستعمله؛ ويوشك أن يستعمل كل شيء ولا يملك شيئًا.
