Skip to content Skip to footer

في مطلع الألفية الجديدة، قدّم الاقتصادي البيروفي هيرناندو دي سوتو واحدة من أكثر النظريات تأثيرًا في الفكر الاقتصادي الحديث عبر كتابه The Mystery of Capital (لغز رأس المال) حيث كشف عن معضلة اقتصادية عميقة تواجه معظم دول العالم في تحقيق النمو والازدهار الاقتصادي، وأن المشكلة ليست في الموارد أو نقص رأس المال، وإنما في نُظم ملكية الأصول العقارية وإدارة التعامل معها، وذلك بوجود أصول عقارية ضخمة ولكنها خارج الدورة الاقتصادية، ويصف دي سوتو هذه الظاهرة بأنها (رأس المال الميت)، قائلًا (الأرض التي لا تُستثمر ولا تدخل دورة الاقتصاد لا تختلف عن الثروة المدفونة؛ فهي رأس مال معطَّل لا يخلق نموًّا ولا يتيح فرصًا).

وفي السياق ذاته، يضيف الاقتصادي الأمريكي إدوارد جليسر في كتابه  Triumph of the City   (المدن العظيمة ليست كيانات جامدة؛ بل كيانات تتطور باستمرار وتأخذ العالم معها نحو التغيير)

ويُظهر جليسر في كتابه أن قوة المدن الحديثة — من نيويورك إلى سنغافورة — لا تكمن في مساحاتها الفارغة، بل في قدرتها على استثمار كل شبر من أراضيها الحضرية لصناعة الفرص وجذب الاستثمارات وتعزيز جودة الحياة.

نستحضر هذه الرؤى الاقتصادية في ضوء صدور المرسوم الملكي رقم (م/ 244) وتاريخ 7-11-1446هـ بتعديلات على نظام رسوم الأراضي البيضاء القاضي بالموافقة على التعديلات الجوهرية لنظام رسوم الأراضي البيضاء، والذي يمثل تحولًا استراتيجيًا في معالجة واحدة من أعقد تحديات سوق العقار السعودي، بتعطيل الأراضي البيضاء داخل النطاقات العمرانية.

إذ بُني النظام على فلسفة تشريعية علاجية تستهدف معالجة الجمود العقاري، وتحفيز إدخال الأصول العقارية في الدورة الاقتصادية عبر آليات تنظيمية متوازنة، تجمع بين أدوات الضغط المالي من خلال فرض الرسوم، ثم حوافز إعفاءات التطوير المرتبطة بالمشاريع الجادة والتراخيص الفعلية.

ووفقًا لما ورد في الاستراتيجية الشاملة للقطاع العقاري المحدثة والصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم (252) وتاريخ 23-4-1442هـ، فمن المتوقع أن تسهم هذه التعديلات على تحول جذري في السوق العقاري وفي أعمال الإنشاءات والتطوير والتمويل، ومن المتوقع كذلك رفع مساهمة القطاع العقاري في الناتج المحلي الإجمالي إلى 8.79% بحلول عام 2030، وبقيمة مضافة تتجاوز 535 مليار ريال ضمن الاقتصاد الوطني.

كما يُتوقع أن يقود هذا الحراك إلى خلق أكثر من 500 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، وتعزيز دور القطاع الخاص بكافة مستوياته، بدءًا من المنشآت الصغيرة والمتوسطة مرورًا بالشركات الوطنية الكبرى، وصولًا إلى تنشيط منظومة متكاملة من القطاعات المرتبطة بالعقار، بما في ذلك البناء والتشييد، والتمويل، والاستشارات، والخدمات التشغيلية.

هذه التعديلات تعكس رؤية تشريعية متقدمة تستهدف إعادة هندسة السوق العقارية على أسس من العدالة والكفاءة الاقتصادية؛ إذ يتحول النظام إلى أداة لخلق توازن حقيقي بين العرض والطلب، وتحفيز الملاك والمطورين على تحريك الأراضي البيضاء عبر الشراكات الاستثمارية أو التطوير المباشر، بما يعزز استدامة المدن ويرفع تنافسيتها الإقليمية والعالمية.

ووفقًا للائحة التنفيذية لنظام رسوم الأراضي، يتضح أن المشرّع السعودي لم يستهدف فرض الرسوم كغاية مالية، بل كأداة تنظيمية محفزة للتطوير؛ إذ تُفرض الرسوم فقط على الأراضي البيضاء المعطلة، وتتوقف فورًا عند تحقق أي من حالات الاشراك الجاد للأرض في الدورة الاقتصادية، فتتوقف بإتمام تطوير الأرض أو بنائها فعليًا ضمن المدة النظامية، فالرسوم تتوقف عند أي خطوة جادة لإدخال الأرض في الدورة الاقتصادية، ومن ذلك:

  1. 1- إتمام تطوير الأرض أو بنائها فعليًا ضمن المدة النظامية.
  2. 2- تقديم مهل لتطوير الأراضي بخطة تطويرية موثقة مع تراخيص بناء أو اعتماد مبدئي للمشروع.
  3. 3- تحفيز التمويل بالترخيص ببيع العقار على الخارطة أو إنشاء صندوق تطويري أو إصدار ترخيص لمساهمة عقارية بهدف التطوير.
  4. 4- وجود عوائق نظامية أو إدارية تمنع التطوير، بشرط ألا يكون المالك متسببًا بها.
  5. 5- كما أجازت اللائحة طلب مهل إضافية إذا أثبت المالك جديته في تطوير الأرض وفق خطة معتمدة.

بذلك، فإن فلسفة النظام تتمحور حول تحويل الأراضي البيضاء من رأس مال ميت إلى أصول حية تُسهم في تحقيق أهداف رؤية السعودية 2030، وهذا التصميم التشريعي يعكس رؤية المشرّع السعودي في تحقيق توازن بين حماية مصالح الملاك وتحقيق التنمية العمرانية، إذ تتحول الرسوم من أداة جزائية إلى حافز اقتصادي يحرّك الأصول المعطلة ويعيد إدماجها في الدورة الاقتصادية.

وهنا تتجلى فلسفة المشرّع السعودي في صناعة مدن ذكية، نابضة بالحياة، قادرة على المنافسة عالميًا، وهو ما أكده الاقتصادي إدوارد جليسر حين قال في كتابه Triumph of the City (المدن هي أعظم اختراع للإنسانية؛ وعندما تُدار بذكاء، فإنها تجعلنا أكثر ثراءً، وأعلى وعيًا، وأكثر ابتكارًا)

ومع تسارع التحولات التشريعية في سوق العقار السعودي، يصبح فهم فلسفة النظام وآلياته التنفيذية ضرورة ملحّة لكل مستثمر ومطور، وإن قراءة دقيقة لهذه التعديلات وتحويلها إلى استراتيجيات عملية، ليست ترفًا بل أساسًا لصناعة قرارات استثمارية ذكية في بيئة عقارية متجددة.